ال زاهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــر

ال زاهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــر

اللهم صل على سيد الخلق محمد صل الله عليه وسلم
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

شاطر | 
 

 قصة موت معلن في بغداد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
شبيه الريح
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 756
نقاط : 4265
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 02/11/2009
العمر : 33
الموقع : في أرض ربي جدة
المزاج : وبك استعين

مُساهمةموضوع: قصة موت معلن في بغداد   الإثنين فبراير 01, 2010 5:57 pm

منصف السليمي
قصة موت معلن في بغداد


صدور كتاب «يوميات حرب» لثلاثة صحافيين إسبان يعيد الأجواء التي عاشتها حكومة أزنار أيام حرب العراق




عادت أجواء الكابوس الذي لاحق حكومة خوسي ماريا أزنار أيام حرب العراق، لتلقي بظلالها هذه الأيام بسبب صدور مؤلف جماعي لثلاثة مراسلين صحافيين إسبان يروون فيه تفاصيل يوميات حرب العراق التي أيدها أزنار رغم معارضة الرأي العام الإسباني لها.

ويتضمن كتاب «يوميات حرب» في أحد فصوله تفاصيل ظروف مقتل خوسي كاوسو مصور قناة «تيلي ثينكو» (القناة الإسبانية الخامسة) من قبل القوات الأميركية، عندما كان يؤدي مهمته في غرفته بفندق فلسطين ببغداد يوم العشرين من شهر مارس (آذار) الماضي.

وفي تصريح أدلى به لـ«الشرق الأوسط» دعا أحد مؤلفي الكتاب انطونيو باكيرو موفد صحيفة «ايبيريوديكو» لتغطية الحرب في العراق، والذي يعمل مراسلا للصحيفة الكتالانية في المغرب، حكومة أزنار الى تقديم احتجاج رسمي ضد الحكومة الأميركية، معربا عن استغرابه لتجاهل هذا الطلب من قبل حكومة بلاده، واستمرارها في تصديق الروايات والتفسيرات المتناقضة التي تقدمها من حين لآخر الحكومة الأميركية حول ظروف مصرع الصحافي خوسي كاوسو. وقال ان الحكومة الإسبانية لم تطلب لحد الآن من المراسلين الإسبان الذين شاهدوا الحادث تقديم روايتهم، واكتفت بالاستماع الى رواية الحكومة الأميركية. وقال انطونيو انه بتأليف هذا الكتاب يساهمون في إحياء ذاكرة زميلهم الذي خطفه الموت من بين أيديهم، بسبب قصف القوات الأميركية لغرفته.

واضاف بأن خوسي كاوسو يعد في نظر الرأي العام الإسباني «رمزا لمناهضة الحرب» التي أيدتها للأسف حكومتهم، ويبين الكتاب بأن كاوسو منح حياته ليبين للاسبان بأنهم كانوا على حق عندما خرجوا بكثافة في شوارع مدريد وبرشلونة للتعبير عن رفضهم للحرب، وبأن القوات الأميركية ليست قوات تحرير بل قوات احتلال، ولا تقتل فقط العسكريين بل أيضا المدنيين والصحافيين.

وقال انطونيو انه وزميليه الذين شاركاه تأليف الكتاب وهما البيرتو ماسيغوسا موفد وكالة الأنباء الإسبانية (ايفي) وانخيليس اسبينوزا موفدة صحيفة «الباييس»، أهدوه الى أسرهم (أسر الصحافيين الثلاثة) وإلى الشعب العراقي الذي قال الكاتب انه غمرهم بكرمه حتى في اللحظات الصعبة وكان مظهرا مجسدا لقيم الثقافة العربية. وأضاف بأنهم كصحافيين قاموا بمهمتهم ملتزمين نحو الشعب العراقي الذي كانوا يرونه واقعا تحت وطأة بطش نظام صدام حسين وكان الخوف يتملكهم من تسلطه ولكنهم أيضا كانوا يدركون أن القوات الأميركية لم تأت لتحريرهم بل لاحتلال بلدهم وللسيطرة على موارده البترولية.

وصدر الكتاب أخيرا في مدريد عن دار النشر «القرن 21» وهي دار نشر مرموقة متخصصة في نشر المؤلفات السياسية والأكاديمية، واشترك في تأليفه المراسلون الثلاثة الذين يمتلكون خبرة واسعة بالعالم العربي وقاموا بتغطية حروب ونزاعات مسلحة في السنوات الأخيرة، وضمنها حرب افغانستان والشيشان وأفريقيا والأراضي الفلسطينية.

كان يوم بغداد، يمر كنشرة أخبار عن الحرب والغزو، ويكشف الكتاب تفاصيل و قصص أخرى عن بغداد لم تنشر في الصحافة، إنها يوميات رهيبة عن الحرب وتتضمن قصصا عن الكيفية التي عاش بها ثلاثة مراسلين لهم خبرة واسعة عن العالم العربي والنزاعات المسلحة في العالم.

انخيليس اسبينوزا مراسلة صحيفة «الباييس» والبيرتو ماسيغوسا مراسل وكالة الأنباء الإسبانية (افي) وانطونيو باكيرو مراسل صحيفة «ايلبيريوديكو» الكتالانية، ولم يكونوا فقط يشتركون في عملهم جماعيا خلال واحد وعشرين يوما أمضوها معا في بغداد، بل أيضا تشاركوا متاعب وصعوبات الحياة اليومية معا تحت رحمة القنابل، فقد كانوا يشتركون في القيام بشراء لوازم حياتهم ومأكلهم ووقود السيارة، ولشدة التصاقهم ببعضهم وصعوبة ظروف الحياة، أضحت في تلك الظروف مهمة إنجاز القصص الإخبارية يوميا، مهمة معقدة وشاقة.

ويقول المؤلفون «إن الظروف الشاقة التي واجهناها يوميا كمراسلين لم تكن سوى حالة بسيطة قياسا لظروف الحياة المستحيلة التي كان يعيشها العراقيون، ولكن بفضل تلك الظروف الصعبة تمكنا من الاقتراب من حقيقة حياة العراقيين ومعاناتهم. ويوما بعد يوما كنا نكتشف مفارقة الواقع وتحديات الحقيقة الجديدة التي أصبحنا نواجهها في بداية هذا القرن. لقد توخينا شرح ظروف عمل المراسل، لأنها عملية تنطوي على قيمة جديدة، فحرب العراق هي أكثر حرب تابعها العالم وشاهدها عبر الوسائل السمعية البصرية واستمع الى تفسيرات حولها، منذ حرب الفيتنام.

ولم يسبق أن حربا تمت تغطيتها من قبل الصحافيين، بهذه الكيفية من قلب المعركة، مثل حرب العراق، كما ان تغطية هذه الحرب مثلت بالنسبة لنا أكبر انتصار مهني تحققه الصحافة الإسبانية في تاريخها، نوعيا وكميا، الى درجة تمكنت فيها من التفوق على الصحافة الانغلوساكسونية.

ان حرب العراق، سجلت تغييرا في نظام العلاقات الدولية، فقد تجاوز الأمر أبعاد النقاشات والسجالات الأكاديمية، وتبين ذلك لملايين الأشخاص الذين تظاهروا في مختلف شوارع عواصم العالم، ضد التدخل العسكري الأميركي في العراق. ووجد المراسلون المعتمدون لتغطية الحدث في العراق، أنفسهم في قلب معركة غير عادلة ولكن الجميع يشاهدها أكثر من أي حرب أخرى وقعت في العالم. وبخلاف حرب الخليج السابقة (حرب تحرير الكويت)، ففي هذه الحرب لم تختزل الهجمات العسكرية في خطوط ضوئية خضراء وصور لمحاولة اظهارها وكأنها عمليات جراحية دقيقة التنفيذ، ففي هذه الحرب مكن الحضور المكثف للصحافيين في عين المكان من الكشف للعالم، أنها مثل كل الحروب ليست حربا نظيفة بل حرب قذرة. والاشعاعات الضوئية الخضراء الصغيرة التي كان يشاهدها العالم على شاشات التلفزيون، كانت في حقيقة الأمر تخلف الموت والعاهات والآلام.

وفي إحدى يوميات الحرب التي يرويها الكتاب فصل خاص بظروف مقتل زميلهم الصحافي الاسباني خوسي كاوسو بقذيفة من الجيش الأميركي عندما كان يؤدي عمله في غرفته بفندق فلسطين في العاصمة بغداد. ويبدأ المراسلون الثلاثة قصة مقتل زميلهم، بقولهم «نزلنا الى بهو الفندق لنتفاوض مع المسؤولين عن المركز الصحافي، للحصول على سائق وعلى ترخيص كي ينقلنا الى مواقع بغداد». وذلك بعد افتقاد سائقنا فيصل الذي اختفى منذ يومين. وقد شعرنا بالقلق على مصيره، وكنا ننتظر وفي نفس الوقت نتمنى أنه لم يصب بكروه، وكنا نفضل الاعتقاد بانه لم يتمكن من الوصول الى الفندق، لأن حي «الجهاد» الذي يقيم به ويوجد على مقربة من مطار بغداد، كان تحت مراقبة القوات الأميركية، وكانت عملية قطع الطريق الذي يشهد معارك، مغامرة خطيرة جدا.

وككل يوم كان البرتو وانطونيو يتركان أمور تدبير الأمور اللوجيستية، لانخيليس لأنها تتمتع بقدرة خلاقة على إقناع العاملين وإيجاد سائق والتفاوض على الأسعار. وفجأة سمعنا دوي قذيفة، وكان دويا رهيبا، وشعرنا وكأن الفندق يرتج بعد أن تعرض لضربة عملاق حديدي، كانت الساعة تقترب من منتصف النهار (الساعة 11 و55 دقيقة)، ولم يسبق ان سمعنا انفجارا على هذا النحو من القرب، وأيقنا أن الانفجار ضرب في الفندق، فازداد الذعر وتوجهنا لنرى ما حدث، وبدت لنا الواجهة الأمامية للفندق أنها لم تصب بأضرار. فهرعنا الى الحديقة نلاحق أصوات الزملاء المراسلين، فلاحظنا أن القذيفة خلفت بأضرار على الحائط الشمالي الشرقي للفندق، وبدأنا نعد طوابق بناية الفندق، حتى شاهدنا آثار القذيفة التي دمرت شرفة الغرفة رقم 1503، وكانت تبدو لنا تماما فوق غرفة مصور وكالة رويترز، حيث كان يضع كاميراته لنقل وقائع الحرب مباشرة على امتداد الساعات الأربع والعشرين من اليوم والليل، رغم قرار السلطات العراقية بمنع ذلك.

اطلقنا عبارة «اللعنة» ان غرفة زميلنا مراسل القناة الإسبانية الخامسة (تيلي ثينكو)، تقع بالضبط تحت غرفة مصور وكالة رويتر، وكان ثلاثتنا (انطونيو، البيرتو، انخيليس) قد أدركنا ماذا يعني ذلك.

صاح انطونيو قائلا «ان كاوسو بقي في الغرفة لاتمام بعض التسجيلات» وهرع جريا نحو المصعد الخاص بمستخدمي الفندق، كي يصعد بأسرع وقت ممكن الى الطابق الرابع عشر.وفي لحظة وصوله الى الطابق الذي توجد به غرفة كاوسو، كان يبدو له أن أمرا غير طبيعي حدث، فالأبواب كانت مفتوحة، ولا أحد يرد. ويجري نحو الغرفة، ويخترق بسرعة الغرف الثلاث داخل الجناح( سويت)، حتى يصل الى غرفة النوم الواقعة على اليسار . كانت النافذة مهشمة كليا، وعلى ارضية الغرفة هاتف نقال عبر الأقمار الصناعية، متفحم، ويقترب فيشاهد ما هو أشد رعبا، فقد بدت لي كاميراته وتجهيزاته كطير اللقلاق المصاب، مدمرة في وسط الغرفة ومتناثرة فوق سجاد غارق في الدماء.

صاح انطوينو «رباه، انه كاوسو» قبل ان يهرع الى السلم لينزل الى أسفل، ليخبر الآخرين، وفي طريقه وجد اسبينوزا والبيرتو، اللذين لم يتمكنا من الوصول عبرالمصعد فقطعا مسافة صعود الطوابق الأربعة عشر عبر السلالم.

وعندما وصلنا الى مستشفى ابن نفيس وجدنا خوان سيستياغو مراسل قناة «تيلي ثينكو» الذي يعمل مع المصور خوسي كاوسو، ويبدو سرواله مخضبا بالدماء، انها دماء زميله، لقد كان يحب كاوسو ويعزه كثيرا، ولكنه كان هادئا وكأنه يشعر بأنه بهذا يكون مفيدا أكثر لرفيقه المصاب. وقال خوان «كنت في غرفتي، وعندما سمعت دوي الانفجار، هرعت الى الشرفة، فوجدته على الأرض وكان فخذه الأيسر مصابا إصابة بليغة»، وكانت الضمادة التي وضعها جون لإيقاف نزيف الدماء، ومكنت كاوسو من البقاء حيا الى حين أوصلوه الى المركز الصحي. وأوضح لنا خوان أنه كي يتمكن من نقله من الغرفة، وضعه على فراش السرير وساعده زملاء آخرون، ليجروا جسمه عبر ممر الطابق حتى أوصلوه الى المصعد، ووضعوا في أول سيارة وجدوها أمام الفندق، ونقلوه الى مستشفى سان رافائيل، وهناك عندما لاحظ الأطباء خطورة حالته الصحية، اعترفوا بأنهم غير قادرين على إنقاذه، فأرسلوه الى مستشفى ابن نفيس.وقال احد اطباء كاوسو ان «المطلوب بتر إحدى رجليه»، دون أن يخفي لنا شعوره بخطورة وتدهور حالته الصحية، ورغم محاولته الظهور بمظهر المتفائل، قال «انه بين ايدي الله،ونعتقد أنه سينجو». شعرنا أن بتر رجل كاوسو ضرر أخف وظللنا متعلقين بفرصة نجاته ومواصلته للحياة. وزاد أملنا في الارتفاع عندما شاهدنا مجيء رولان الناطق الرسمي باسم الصليب الأحمر الدولي في بغداد، الى المستشفى ومعه طبيب، ودخل الى قاعة الجراحة.

ووصل زملاء آخرون وقليلون جدا منهم بدوا وكأنهم يشعرون بأنهم وجدوا القصة الإخبارية التي سيرسلونها في ذلك اليوم، وبأنهم سيخصصون وقتهم لشرح القصة إخباريا، بينما كانت اغلبيتنا متأثر جدا بوضعية كاوسو. لقد كان الجو في تلك اللحظات، غريبا نوعا ما، البيرتو وانخيليس يقرران الإنصراف لأنه لم يعد برأيهما فعل أي شيء يفعلونه، فقد أعلن الأطباء بأنه يتعين انتظار ساعتين على الأقل لإتمام العملية الجراحية على رجل كاوسو. ولذلك كانا يعتقدان بأنه يتعين الذهاب للبحث عن مزيد من الأخبار. فقد كنا دائما في رحلة بحث عن الأخبار، لا تنتهي.

وفي باب المستشفى، كان انطونيو وخوان يجلسان متكئين على الحائط، ومن بقي من الصحافيين منتظرين وقلقين وعطشى لمستجدات حالة زميلهم الصحية. وبعد قليل من الوقت، جاء أحمد وهو موظف في وزارة الإعلام العراقية، ليعلمنا بأنهم بحاجة الى مزيد من الدم، وكان صنف دمه «موجب» المطابق لصنف دم انطونيو، وبدأت عملية البحث مع الصحافيين الآخرين الذين لهم نفس صنف الدم. وكان جميعهم وحتى الذين يختلف صنف دمهم، مستعدين للتبرع بدمهم ليس فقط لكاوسو بل أيضا لأي أحد آخر يحتاج اليه.

وبدا أن مشكل نقص الدم قد عولج جزئيا، ولكن المشكل الأعوص أنه كان يوجد في منطقة محاصرة ببغداد، ويتعين اختراق مدينة مشتعلة بنيران القذائف والانفجارات للوصول الى الناحية الأخرى من المدينة حيث يوجد مركز حقن الدم. ورغم المخاطر الجمة، فقد انبرى متطوعون كثيرون، لكن تم الإقتصار على نفر قليل. وكان أحدهم فيرناندو ماتي مصور قناة «انتينا تريس» (القناة الثالثة وهي منافسة للقناة الخامسة التي كان كاوسو يعمل بها) الذي وفر سيارته، وكان يقودها السائق أبو علي. وفي السيارة كان ثلاثة: انطونيو واحمد (موظف وزارة الاعلام) وفرانس سيبيا مراسل «راديو ناثيونال دي اسبانيا» (الإذاعة الوطنية لإسبانيا).

وأخذ السائق أبو علي الشارع الموازي لنهر دجلة، وكان الجميع يلاحظ أن الرحلة أشد خطورة مما كنا نتصوره. فعند ذلك الشارع، تلتقي كل الجسور التي تعبر عبر فوق النهر، ومن الناحية الأخرى كان الأميركيون يحاولون الاختراق وعبوره، كانت كل مفترقات الطرق التي عبرناها ملغومة بالميليشيات العراقية والمتطوعين من المقاتلين العرب، وكانوا في حالة توتر شديد، ويخشون في كل لحظة أن تظهر قطعة من الآليات العسكرية للغزاة. فقد كان عناصر الميليشيات يتحركون بنرفزة (توتر) شديدة، ويحملون رشاشاتهم وقذائف الـ«آر بي جي». وكنا في كل مرة نقترب فيها من مفترق طرق، نطلب من السائق ابي علي أن لا يسرع في السير، لأننا كنا قلقين إزاء الزيادة في سرعة السيارة والتي يمكن أن ترفع في درجة توتر المقاتلين. وفجأة نتوجه للسائق «الآن، الآن، أسرع» عندما نتجاوز مفترق طريق، وحدث هذا ست أو سبع مرات متتالية، وكان العرق قد جف من أجسامنا وقلوبنا تكاد تخرج من حناجرنا.

وفي نهاية المطاف، توقف أبو علي قرب مركز لحقن الدم، وكنا نعتقد أننا سنجد موقعا مدمرا أو مشلولا، فبعد عشرين يوما من الحرب والانفجارات التي أصابت بغداد، وسقوط آلاف الجرحى، لم يكن يخطر ببالنا أننا سنجد في جهاز التبريد بالمركز، بقية قطرات من الدم. ولكن المفاجأة عندما تقدم أحمد وطلب توفير كيسين من الدم صنف «ايجابي»، أجابه مسؤول المركز بأنه لا توجد مشكلة وسنعد لكم فورا ما طلبتموه. فرغم الحصار المضروب على بغداد، فقد كان الجزء القليل المتبقي من النظام يواصل اشتغاله بشكل جيد. وعندما حصلنا على كمية الدم المطلوبة، انصرفنا عائدين للمستشفى، و كنا نشعر خلال عودتنا ان طريق العودة وكأنه حافة هاوية لا نهاية لها. وصادف وصولنا الى المستشفى وصول انخيليس والبيرتو، وعندما دخل أحمد وهو يحمل أكياس الدم، كان الزملاء الصحافيون قد سارعوا بإخبارنا بأن القيادة العامة للقوات الأميركية قد اعترفت بأن قواتها هي من قصف الفندق. ولا أحد منا كاد يصدق أو استطاع ان يخرج من صدمته، فقد كنا نعتقد أن القوات العراقية هي من أطلق النار على الفندق، رغم أننا كنا مختلفين على تفسير أسباب الحادث.

وعند اعلان الاطباء نجاح العملية الجراحية أعادتنا للحقيقة مرة أخرى، قطعنا مناقشاتنا، وعدنا من جديد لمتابعة حالة زميلنا كاوسو في المستشفى. وقال الأطباء انه رغم الإصابة البليغة التي تعرض لها كاوسو وتدهور حالته الصحية، فقد استطاع أن يقاوم. وطلبوا منا أن نذهب الى غرفة العمليات، كي نساعده على الخروج من حالة التأثر بالمخدر. وكان من الطبيعي أن يتوقع الجميع أن من سيدخل الى غرفة علاج كاوسو، هو رفيقه خوان، ودون تفكير اندفع جميعنا نحو الغرفة، وكان معنا أيضا المرافقون والسائقون والمستخدمون. وطلب خوان من انخيليس أن تطلب من الجميع مغادرة الغرفة، لأنه لا معنى لدخول حوالي عشرين شخصا غرفة شخص تعرض لعملية جراحية خطيرة.

ونظرت انخيليس الى البيرتو وقرر الاثنان معا مباشرة المغادرة الى الفندق، وكان تناقص العدد مفيدا أكثر لصحة خوسي كاوسو، الذي جلس الى جانبه خوان ويقول له «خوسي ان كنت تسمعني، حرك رأسك» وتجاوب معه خوسي محركا رأسه، وكان رد فعله يدل على أنه لا يزال على قيد الحياة وأنه سيخرج من محنته.

وفي مرات ثلاث أخرى يتحرك فيها خوسي كاوسو، ورغم ان وجهه كان يبدو شاحبا كورقة دخان محترقة، ورغم أنه كان يرد الفعل لإشارات خوان، وعندما أقتنع جميع زملائه بأنه سينجو أخيرا، تغير كل شيء، فجأة بدأ يواجه صعوبات في التنفس، وكأنما كان في حالة اختناق، وفي كل مرة يحتاج فيها لنفس جديد، يرفع بطنه وضلوعه بطريقة مثيرة، وجفناه تطبق ويفقد القليل من الوعي الذي كان قد استرجعه. فيطلب منا الطبيب مغادرة الغرفة، وان نتركه يقوم بعمله. وبعد لحظات خرج الدكتور فيصل الطبيب الجراح ليخبرنا بالنبأ «لقد فعلنا كل ما بوسعنا، لكن زميلكم مات».(الشرق الاوسط)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://zahr.your-talk.com
 
قصة موت معلن في بغداد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ال زاهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــر :: منتدى كتـــــــــابي-
انتقل الى: